شيء عن اجاثا كرستي

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 - 12:01 صباحًا
شيء عن اجاثا كرستي

شيء عن اجاثا كرستي
نعيم عبد مهلهل
ــ الجزء الأخير ــ
تحتفي مذكرات مالوان بهذا المخفي كثيرا. ويعبر الفصل الأخير عن قصدية مجيء مثل أولئك بوضوح حينما يعلن أن مستقر حياته العملية بين التلول الأثرية والمقابر المقدسة انتهى به ليكون أمينا للمتحف البريطاني الذي يعدّ الشاهد الحي والدائم على قدرة بريطانيا على سلب الحضارات الأخرى وجودها الحي وابقائها تحت الهيمنة حتى لو كانت مجرد تماثيل ودمى آلهة ومسلات حجرية. وما تلاه ماكس مالوان في مذكراته هو فضح ذلك النزوع الذي لبسته السياسة البريطانية، منذ الدعوة التي أطلقها بعض متنوري العصور الوسطى، بإعادة قراءة التوراة قراءة حداثوية تعتمد على الإرث والأثر والكشوفات، ولأن السلطان العثماني لم يكن يفقه هذه الرؤى وما في باطن الأرض ليست إلا أساطير الملحدين، فقد كان يعطي للغربيين أذونات التنقيب حتى من دون أن يقرأها ويفهم فحواها، ويقال أن الولاة كانوا لا يضعون ضريبة الجمارك والمكوس على الصناديق المشحونة من مدننا الأثرية الى إنكلترا عبر ميناء البصرة، وقد تحدث ماكس مالوان في مذكراته أنه صحب هذه الصناديق في إحدى سفراتها المتكررة. تحتفل المذكرات بإشارات قد لا تبدو واضحة عن طبيعة النظرة الاستعمارية للأثر، لكن مجرد ذكر مس بيل كان كافيًا لتتضح لنا النوايا التي كانت تفكر بها حكومة صاحبة الجلالة. وعندما نتوقف عند هذه المرأة التي شكلت مع ت. أي. لورنس صاحب كتاب «أعمدة الحكمة السبعة»؛ أحد ألغاز السياسة البريطانية في الشرق الأوسط، فنحن نحتاج الى فصول مطولة من القراءات على مستوى السياق التاريخي والاجتماعي وحتى النفسي لفهم الدور المركب كدور لمس بيل التي وصل الأمر بها أن تـُعـَدّ أحد دهاة السياسة العراقية، وهي الوحيدة، بعد المندوب السامي، من يفرض هيبة ما على القرار العراقي بداية تشكيل الحكم. لكن الأمر انقلب فجأة وانزوت تحت ظل النصب والتماثيل والأطلال لتمارس دورًا قد لا ترغب فيه، ومن ثم جاء موتها المفاجئ جراء جرعة كبيرة من الحبوب المنومة، وهو ما يعد أشبه بانتحار. ورغم هذا كان للمرأة الحديدية هذه دور ريادي في تأسيس متحفنا الوطني الذي تعرض في غفلة من زمن الى عملية نهب وسلب لا تسوّغها أذكى البيانات الصحفية، وكأن الأمر كان مبيتا. وربما كان في الأمر لعبة؛ فقد قيل: إن الأهم كان مخزونا في مكان أمين. لم تشر المذكرات الى أي نقطة تتعلق بالطموح الإنكليزي الذي كنا نقول عنه إن بريطانيا كانت تتصرف بإزاء عمليات التنقيب كأن الأمر لا يعنيها، ربما لأن كاتب المذكرات هو إنكليزي ورجل أكاديمي رغم أن عالميته لم تصل الى مستوى ما كان يمتلكه رئيس بعثته وولي وربما جاء بتكليف من جهة كانت تنظر الى التراث العراقي بكونه ذا صلة مع رؤى التبشير الذي تحلم الكنيسة بتعميمه، فالرجل بدا في طباعه يمتلك أوراقا أخرى لم يقلها، وظلت غائبة ولكن طبيعة جهده وانتقاله الى أكثر من موقع أثري كشف شيئًا من مهمته .كاتب المذكرات متمكنا من موهبته الأدبية. وكان التخيل في الوصف مصنوعا بهواجس ذات رقيقة. وربما استفاد ماكس مالوان من مهارة زوجته أغاتا كريستي في صياغة الفصول. وقد بانت مهارته الأدبية في تلك المرثية الرائعة التي دونها يوم رحلت عنه أغاتا الى الأبد ومذكراته توشك على الانتهاء: «عندما وصلت الى الصفحات القليلة الأخيرة من هذه المذكرات، توفيت عزيزتي أعاثا بسلام وهدوء، بينما كنت أدفع كرسيها ذا العجلات الى حجرة الجلوس بعد تناول الغداء. كان أعظم سلوان لي إدراكي الذي تكون من مئات الرسائل، أن الإعجاب امتزج بقدر متساو من الحب؛ الحب والسعادة اللذين كانت أغاثا تشعهما في شخصها وفي كتبها. أبتهل الى الخالق أن يتغمدها برحمته».

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وكالة الحدث برس الاخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.